الشيخ محمد الصادقي الطهراني

16

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

علمياً حالها ، فإنه الذي يحمل الذكرى ، ويحمل صاحبه على التسابق في الأعمال الحسنة « ليبلوكم أيكم أحسن عملًا » ، وللموت رحمات أخرى إضافة إلى البلوى . « 1 » ولولا العزة والغلبة الإلهية لم تكن هناك بلوى ولا حسن الأعمال ، فبعزته خلق الموت والحياة ، وبعزته يحافظ على الأحياء والأموات ، وعلى الأرواح والأجساد ، وعلى أعمال الإنسان ، وبعزته يجازي كلًا على عمله ، إذ لا يفوته من أساء . ولولا مغفرته كانت الحياة الأخرى كلها بلاءً وعذاباً ، ولكنه يغفر ما دامت المغفرة لا

--> ( 1 ) . ان رحمة الموت لا تختص بالبلوى التي تدفع إلى التسابق في الصالحات ، وانما هي الأهم من فوائده لبني الانسان حال الحياة اعتباراً ، وبعد الموت جزاء للحسنى بالحسنى ، وللذين كفروا عذاب ، وهو رحمة للمحسنين - . وهنا رحمات أخرى نتيجة الموت في النبات والحيوان والانسان : فللانسان : هل يا ترى لو لم يكن موت ، أكانت الكرة الأرضية بفضائها تسع نسله المتواصل ؟ ولو وسعت ، فهل بامكان الأولاد ان يتحملوا عبء معايش الآباء والأمهات : الآلاف الآلاف ! وإذا أمكن ، فهل بامكان هذه الكثرة الخالدة في الحياة ، المعايشة السلمية ؟ كيف ! ولا تعيش الآن - وهي تلمس الموت ليل نهار - الا في اضطرابات ناتجة عن تخلفات ! . فيا للموت من رحمة لبني الانسان ، بنَّاء لحياة سليمة ، لو تذكروا بها ، وواعظا لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ، ورادعا عن الشرور لمن أراد الحياة سالمة غير منفصمة وان لم يؤمن بالآخرة ، وباعثاً على التقوى لمن آمن باللَّه واليوم الآخر ! . وللحيوان : لو أن بيضات الأسماك ( البطروخات ) صارت كلها اسماكا ولم تمت ، لاصبحت البحار جامدة من زحامها ، فامتنعت الحياة عليها كلها . ولو أن الجراثيم استمرت على التوالد خسمة أيام دون انقطاع ولا موت لملأت المحيط إلى عمق ميل ، فكيف الحياة ؟ ! ولو أن ميكروب الوباء ( الكوليرا ) - الذي يتضاعف كل عشرين دقيقة - لو مضى عليه يوم واحد دون عائق ، لبلغ وزنه 7366 طنا ، وعدده رقم 5 مع 21 صفرا ، فأين الحياة ! . ان بعض المحار في البحار تبيض الواحدة منها ستين مليونا ، لو بقيت انسالها بين عام وعامين لزادت على الكرة الأرضية ، فكيف الحياة ! . والذباب الذي ينفص عيش الانسان ، تبيض انثاه خمس أو ست مرات ، في كل مرة 120 - 150 بيضة ، فلو عاشت دون موت لم يعش على وجه الأرض انسان ولا حيوان ! . فلولا الموت لم تكن حياة ، وانه يتبنى الحياة مادية ومعنوية ، خلقية وخلقية ، « ليبلوكم أيكم أحسن عملًا » سبحان الخلاق العظيم ، فهل لا يستحق الموت - إذا - ان يحتل الرتبة السابقة على الحياة : « خلق الموت والحياة » ؟ فان الموت رحمة للاحياء وللاموات !